عبد القادر السلوي

12

الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب

من بلدة بعيدة لتحدّثني بحديث رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فاستعظم شعبة ذلك منه « 1 » فقال يا هذا ، دخلت منزلي بغير إذني ، وتكلمني على مثل هذا الحال ! ؟ فقال : إني خشيت الفوت . فقال : تأخّر عني حتى أصلح من شأني ، فلم يفعل ، واستمرّ في الإلحاح ، وشعبة يخاطبه وذكره في يده يستبرئ . فلما أكثر قال له : اكتب « 2 » « حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن أبي مسعود البدري عن رسول صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : إن مما أدرك الناس من كلام النبوءة الأولى : إذا لم تستحي فاصنع ما شئت » . ثم قال : والله لا حدّثتك بعد هذا « 3 » الحديث ، ولا حدّثت قوما تكون فيهم . فانظر أكرمك الله إلى صنع هذا الإمام الجليل ، وكيف امتنع من تحديث هذا السائل مع شدة إلحاحه « 4 » عليه ، ومع ما علم من حاله هو من رغبته في بث العلم ونشره وحرصه على الإفادة بما لديه . وما ذلك إلا لأنه لما لم يره أهلا للإفادة لما « 5 » قام به من سوء الأدب واحتفّ به من قلة الحياء الذي هو شعبة من شعب الإيمان ، عامله بالإبعاد وقابله بالطرد ، وعاقبه بالحرمان ، صيانة للحكمة عن وضعها في غير محلها ، وعن بذلها لغير مستحقها ، وإيتائها غير أهلها ، عملا بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « 6 » « لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم » . أو كما قال عليه الصلاة والسلام وما زال العلماء رضي الله عنهم يحضون على التزام الأدب في طلب العلم ، ويحذرون من طلبه بالجهل . قال ذو النون المصري « 7 » رحمه الله : إياك

--> ( 1 ) لأنه سلم عليه وهو يبول ، ولم يكتف بذلك بل طلب منه أن يحدّثه ، وقد نهى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم عن التسليم على رجل أثناء البول . انظر سنن ابن ماجة 1 / 74 - 75 ( 2 ) فتح الباري 10 / 523 وسنن ابن ماجة 2 / 1400 ولباب الآداب 282 وتذكرة الحفاظ 3 / 922 وكشف الخفاء 1 / 14 وفي شرح الموطأ 2 / 47 : « . . . فافعل ما شئت » . ( 3 ) د . بغير هذا . ( 4 ) د : الحاجة ، وهو غلط . ( 5 ) د : بما . ( 6 ) الحديث في العقد الفريد 2 / 215 وأدب الدنيا 89 ونسب في طبقات الصوفية 22 والذريعة إلى مكارم الشريعة 121 وكشف الخفاء 2 / 373 لعيسى عليه السلام وورد في سنن الدارمي 1 / 105 ، 106 حديث قريب منه ، نصّه « لا تحدّث الباطل للحكماء فيمقتوك ولا تحدث الحكمة للسّفهاء فيكذبوك ولا تمنع العلم أهله فتأثم ، ولا تضعه في غير أهله فتجهل . . « أو » لا تمنع العلم من أهله فتأثم ولا تنشره عند غير أهله فتجهل وكن طبيبا رفيقا يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع » ومثله في إحياء العلوم 1 / 51 لأحد العلماء . ( 7 ) هو أبو الفضل ثوبان بن إبراهيم ، المشهور بذي النون كان زاهدا وأحد رجال الطريق ( - 245 ه ) انظر طبقات الصوفية 15 - 26 والوفيات 1 / 315 - 318 .